أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

178

التوحيد

للشيئية ، ولا أحيل التعذيب إذا سقطت عنه الشيئية ، ولا أوجب الشرك بين الفاعل والشيئية في العقل وفي الوجود ، ولا أطلق القول بأنه لاثنين ؛ إذ هو بكليته في أنه شيء ليس له ، وفي أنه إيمان وكفر له ، وكذا هذا التقرير في حركة المفلوج ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم قال الكعبي : ما جعل فاعل المعصية أحق بالذنب من خالقها . قيل له : وما جعل جهة المعصية أحق بالذم من جهة الشيئية والحركة والحدثية والعرضية ، وأنه خلاف للعبد وللّه وغير لهما ، وأنه حجة اللّه ، ودليل سفه الكافر ؛ فإن الذمّ لشيء من ذلك لزمه الذم بكل مسمّى به ، فيجب الذم على فعل الإيمان وكل حسن ، وإن لم يجب ثبت لذلك جهات ، يصرف إلى كل ما يليق به . ثم الذي من اللّه تعالى حكمة من حيث جعله في الحقيقة قبيحا وسفها وجورا ومذموما ، وهو من هذا الوجه حق وحكمة ، والفعل من حيث العبد سفه وجور ، ومن ذلك الوجه قبيح ومعصية . ألا ترى أن من عرف فعل الكافر على ما هو عنده كان جاهلا ومن أخبر به كان كاذبا ، ومن عرفه على ما عليه حقيقته كان عالما حكيما ، ولو أخبر به كان صادقا ، فعلى ذلك خلق اللّه ذلك وجعله على ما هو عليه ، وفعل العبد لا . وعلى قول من يجعل خلق الشيء غيره لا معنى له ؛ لأن فعل اللّه في الحقيقة ليس بكفر ولا جور ولا سفه ، ولا الذي كان من العبد من خضوع وذلة وطاعة ومعصية ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم يعارض تسمية غير الذي خلق الموت وأحوال الخلق أحق من الذي خلق ، وهو بالجملة مسمّى أنه خالق ذلك ، فمهما قال في ذلك فهو جواب له في الأول . والأصل أنه ثبت للعبد فعل في الحقيقة ، وأنه له مختار ، وأنه آثر الأشياء عنده وأحبها ، وأن خلق ذلك لم يدفعه إليه ، ولم يحمله ولم يضطره إليه ، فوجود ذلك ووجود علمه به وخبره عنه وإثباته في اللوح المحفوظ وإيجاب معاداته لوقت فعله وتسميته بما سمّي ، إذ لم يضطره إلى فعله ولا حمله عليه ، حسن معه الأمر والنهي والتعذيب والإثابة . ومن أنكر بهذا خلقه فتعلقه بهذا النوع خيال ، وحقه أن ينظر في الوجه الذي به يعرف خلق الأشياء ، فإن أمكن تحقيقه فالإنكار بهذا النوع إنما هو جهل بالحكمة . وعلى ذلك كان أول ما جبل عليه فيعلم إن خضع للمكرم به إن شاء اللّه ، وإن لم يمكن تسقط المسألة ، ويفضل الذي عارض به كله ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم ذكر أسئلة : من ذلك قوله : خالق كل شيء ، وأعمال العباد أشياء ، فزعم أن ذا امتداح ، وليس ذلك في شتم نفسه ولا في الكفر به ولا في فعل الأنبياء . والثاني أنه عاب الكفر وعذب عليه ، ولا يجوز ذلك على ما يفعله . وقال : خصصنا أيضا بما تلونا من الآيات ، ودليل ما لم يدخل في ذلك ، وهو شيء ، مع وجود آيات ذلك مخرجها ، وهن خاصة .